عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
125
اللباب في علوم الكتاب
ثم قال : لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق ، وخصهم بذلك ، لأنهم مع كفرهم محتاجون إلى التدبر . ( وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر ) « 1 » وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم باطنا وظاهرا . ثم قال : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين . والمعنى : وإنهم . فوضع الظاهر موضع المضمر ، قضى عليهم بالظلم وأبرزهم ظاهرين للشهادة عليهم بهذه الصفة الذميمة . والشقاق الخلاف الشديد والمعاداة والمباعدة سواء . وأما في حق المؤمنين فهو قوله : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ولنرجع إلى الإعراب فنقول : قوله : « إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ » في هذه الجملة بعد « إلّا » ثلاثة أوجه : أحدها : أنها في محل نصب على الحال من « رسول » والمعنى : وما أرسلنا من رسول إلا حاله هذه ، والحال محصورة « 2 » . والثاني : أنها في محل الصفة « 3 » لرسول ، فيجوز أن يحكم على موضعها بالجر باعتبار لفظ الموصوف ، وبالنصب باعتبار محله ، فإن « من » مزيدة فيه « 4 » . الثالث : أنها في موضع استثناء من غير الجنس . قاله أبو البقاء « 5 » ، يعني : أنه استثناء منقطع و « إذا » هذه يجوز أن تكون شرطية ، وهو الظاهر ، وإليه ذهب الحوفي « 6 » ، وأن تكون لمجرد الظرفية . قال أبو حيان : ونصوا على أنه يليها - يعني « إلا » « 7 » - في النفي المضارع بلا شرط نحو ما زيد إلا يفعل ، وما رأيت زيدا إلا يفعل ، والماضي بشرط تقدم فعل نحو « ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا » « 8 » ، أو مصاحبة ( قد ) نحو : ما زيد إلا قد فعل « 9 » ، وما جاء بعد ( إلا ) في الآية جملة شرطية ولم يلها ماض مصحوب ب ( قد ) ، ولا
--> ( 1 ) ما بين القوسين سقط من الأصل . ( 2 ) وهو صحيح لقبولها واو الحال ، أي : وما أرسلناه إلا وحاله هذه ، البحر المحيط 6 / 382 . ( 3 ) هذا قول الزمخشري في نحو ما مررت بأحد إلا زيد خير منه ، ورد عليه بأنه مذهب لا يعرف لبصري ولا كوفي ، لأنه يفصل بين الموصوف وصفته ب ( إلا ) فلا يقال : جاءني رجل إلا راكب لأنهما كشيء واحد فلا يفصل بينهما بها ، كما لا يفصل بها بين الصلة والموصول ولا بين المضاف والمضاف إليه ، ولأن « إلا » وما بعدها في حكم جملة مستأنفة والصفة لا تستأنف ولا تكون في حكم المستأنف ، كذا ذكره ابن مالك تبعا للأخفش والفارسي وذكره أيضا صاحب البسيط فالصواب أن الجملة في الآية والمثال حالية ، وإنما لم تقس الصفة على الحال لوضوح الفرق بينهما بجواز تقديم الحال على صاحبه ويخالفه في الإعراب والتنكير ، البحر المحيط 6 / 382 ، الهمع 1 / 230 . ( 4 ) لأنها مسبوقة بنفي ومجرورها نكرة . ( 5 ) التبيان 2 / 945 . ( 6 ) البحر المحيط 6 / 382 . ( 7 ) في ب : الراء . وهو تحريف . ( 8 ) من قوله تعالى : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الحجر : 11 ] . ( 9 ) واقتران الماضي ب ( قد ) يغني عن تقديم فعل قاله ابن مالك كقول الشاعر : ما المجد إلا قد تبيّن أنه * بندى وحلم لا يزال مؤثلا -